بين " عبد الرحمان " وخشبة المسرح، قصة عشق طويلة

عبد الرحمان الشريف

بقلم نزار بن حسن :

دقائق قليلة بعد اتصالنا بعبد الرحمان الشريف حتى كان واقفا أمام دار الثقافة بمدينة الشابة من ولاية المهدية، يلتفت يمنة ويسرى بحثا عنا في مكان يمثّل مرحلة مُهمّة من حياته.

عبد الرحمان الشريف، شاب وُلد وترعرع في مدينة الشابة السّاحليّة، ورغم سنّه الذي لم يتجاوز الثانية والعشرين فقد استطاع التميّز بين أترابه وأبناء جيله.

دخلنا الى دار الثقافة، وكان "عبد الرحمان" يفتح الأبواب بمفتاح أخرجه من جيبه، فمدير هذه المؤسسة مكّنه من مفاتيح المدخل الرئيسي وقاعة العرض والرّكح بكلّ أريحيّة، كان يُلقي التحيّة على بعض العاملين هناك وكانوا يُبادلونه التحيّة بارتياح، فهو جزء من الدّار منذ سنوات.

دخل الشاب الى دار الثقافة لأوّل مرّة منذ ثمانية سنوات، وكان وقتها يُتابع نشاطات جمعية الفرقة المسرحية بالشابة التي يترأسها أحد أقاربه حتى طالب في احدى المرات أن يكون له دور، ولو بسيط، في أحد الأعمال المسرحيّة، فكان له ذلك وتحصلّ على دور رئيسي في مسرحيّة "بلا عنوان" من اخراج ونص "يوسف عياد" وكانت مفاجأة بالنسبة للمكوّنين بالنادي، حيث أظهر "عبد الرحمان" قدرة على التعلّم بسرعة وموهبة في تقمّص الأدوار رغم صغر سنّه.

دخل "عبد الرحمان" لدار الثقافة وجلس على كرسيّ خشبي على ركح المسرح المُحاط بالستائر سوداء اللون، وكانت الإنارة ضعيفة، جلس وحدّثنا عن بعض المصاعب التي عاشها منذ صعوده على خشبة المسرح حتى نيله ثقة كبار المسرحيين في البلاد اليوم، حدّثنا والابتسامة على وجهه.

كانت حصص التّدريب "البروفات" تتم ليلا وفي ساعات متأخرة جدا، وكانت عائلته ترفض خروجه في ذلك التوقيت، فكان مُضطرّا للتسلّل من المنزل تحت جنح الظّلام وصولا الى دار الثقافة غير عابئ بمخاطر الطّريق، وتتواصل "البروفات" في بعض الأحيان لساعات طويلة، فيرجع الى منزله فجرا ليرتاح ساعات قليلة قبل التوجّه الى المعهد الثانوي للدّراسة.

كان يُحاول دائما الجمع بين الهواية والدّراسة، وكان ذلك صعبا ما كلّفه سنة من الدّراسة الثانوية ولكنه أصرّ على المواصلة لتحقيق حلمه ونيل شهادة الباكالوريا ودخول المعهد العالي للمسرح بباب العسل بالعاصمة، فقد أراد الهواية والاحتراف.

بعد سنوات قليلة صلب جمعية الفرقة المسرحيّة بالمدينة، غادر رئيسها ومُدرّبه ومُعلّمه "يوسف عياد" البلاد وهاجر للعمل خارج أرض الوطن، وكانت الجمعية مهددة بالزّوال وانطفأ بريقها، فترشّح "عبد الرحمان" لعضوية هيئتها المديرة ولتدريب فريقها ونال شرف ذلك وهو في سن التاسعة عشرة، وكانت المسؤولية كبيرة آنذاك، يُحدّثنا "عبد الرحمان"وقد احمرّت وجنتاه :"كسبت ثقة الشباب المسرحي في المدينة، وكان لذلك دافع كبير لمواصلة العمل والرّغبة في النجاح رغم الخوف من الفشل، ففي تلك الفترة تعرّضت لانتقادات كثيرة من الخارج، فكيف لصغير في عمري تنقُصُه الخبرة، أن أدرب فرقة مسرحيّة تختلف فيها الأعمار ولها تاريخ حافل بالجوائز في مُختلف المهرجانات."

لم يكن "عبد الرحمان" عضوا عاديا في الجمعية، بل كان المؤطّر والمُكوّن ومُساعد المُخرج، كما لعب أدوارا مختلفة في الكثير من الأعمال المسرحيّة وتحصل على جوائز كثيرة كما تحصلت كل الأعمال التي لعب فيها دور البطولة على ثقة لجان العروض التابعة لوزارة الثقافة وعرضت المسرحيات في مختلف المناطق في البلاد.

وتحصل الشاب على صفة مندوب الجامعة التونسية للمسرح في ولاية المهدية منذ سنتين الى الآن، بعد أن نال جائزة أفضل ممثل في ولاية سنة 2012، ونشّط في مختلف المدارس الاعدادية، وكان يختار من نوادي المعاهد الأطفال الموهوبين ليستقطبهم لركح دار الثقافة، حيث انطلقت مسيرته، وللفرقة المسرحية بالشابة.

ورغم طبيعة المدينة المُحافظة وصغر سنّه، فقد استطاع اقناع الأولياء بإرسال بناتهم للمشاركة في "البروفات"، وكان يتكفّل في بعض الأحيان بإيصالهنّ الواحدة تلو الأخرى لمنازلهنّ.

خرجنا من دار الثقافة واتّجهنا نحو المقهى وكان الجو باردا، وكان "عبد الرحمان" يذكر لي أسماء بعض الأشخاص في الشارع يُبادلُونه التحيّة، "كعكورة، الماريشال، عنتر..."، ووضّح لي الأمر قائلا: "هذه شخصيات طريفة في المدينة، لكلّ شخصيّة حكايتها، وأنا أراقبها دوما وأتقرّب منها حتى في جلساتها في بعض الأحيان لكي أقتبس منها مضمون شخصيات مسرحية".

وأضاف "معز مبروك"، وهو أحد أصدقائه المقرّبين وزميله في مقاعد الدراسة، أنّ تصرفات "عبد الرحمان" غريبة، فهو يجلس مع كل الأجيال وحتّى الشيوخ، وحدّثنا عندما عرفه قائلا:" كان يدرس معي في نفس الفصل وكنا في بداية السنة الدراسيّة، كنت أراه شخصا غريبا فهو يغيّر حلاقة شعره كلّ أسبوع، فمرة يُطيل شعرهُ ومرّة يقصّره من فوق، حتى فهمنا لاحقا أنهّ يفعل ذلك من أجل أدواره المسرحيّة، وجعلنا مولعين بالمسرح، وفي بعض الأحيان يوقعُنا في مقالب حيث لا نعرف إن كان يتحدث معنا بجديّة أو يُمثّل"

امتزجت حياة "عبد الرحمان" بالمواعيد الثقافية، وزار أغلب مدن الجمهوريّة للعرض أو الفُرجة أو التّكوين، وكان يُحاول في كلّ مرّة تنظيم اللقاءات وينقل أعضاء فرقته للمشاركة في الدورات التدريبية والتربّصات ويُشارك معهم كذلك، ويجتمع مع أترابه في المقهى فيُمثّلون بعض المقاطع ويتجادلون حول بعض المسرحيات لكبار الممثّلين التونسيين.

كان لزاما عليه أن يحقق حُلُمه ويدرس المسرح في المعهد العالي للمسرح بباب العسل فسخّر كلّ وقته للدراسة والمراجعة سنة الباكالوريا وتحصّل على الشهادة، وحقّق حُلمه، دون أن يُعلم أباه القاطن في المملكة العربية السعوديّة باختياره في التوجيه الجامعي، فقد كان والده يعتقد أن المسرح مجرّد هواية، شعر "عبد الرحمان" بالخوف من انكشاف أمره، وعاش لأشهر يُخفي سرّه عن أبيه، حتى علم هذا الأخير بالأمر، فكانت المفاجأة بأن شجّعه على المواصلة وأرسل له هديّة كذلك.

نجح عبد الرحمان في تحقيق جزء بسيط من حُلمه، تميّز في التمثيل واستطاع رغم صغر سنة تربية ناشئة في الفرقة المسرحية بالشابة تُعدُّ بالعشرات، علّمهم عشق المسرح ، ولم يتوقّف انتاجه بعد إلتحاقه بالجامعة، بل صار يرنوا إلى الاحتراف الحقيقيّ، وصار حالما بأدوار رئيسيّة مع كبار الممثلّين كالفاضل الجعايبي وغيره من الممثلّين.

المصدر : ياوث مور